أبي منصور الماتريدي
58
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قوله : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ [ العنكبوت : 48 ] . لئلا يقولوا : إنك أخذت هذا من الكتب المتقدمة ومن علومها وحكمتها ، وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ؛ لئلا يقولوا : إنه من تأليفك ، ويعلموا أنه من عند الله جاء به ، لا من ذات نفسه .
--> - والأحبار يفسرون التوراة ، ويضيفون على التفسير من عندهم تشريعات لم يأذن بها الله مثل تحريم الأكل بأيد غير مغسولة . وأما عيسى عليه السّلام فإنه كان مفسرا لها ولم يكن محرما ومحللا من تلقاء نفسه كما كان يفعل الربانيون والأحبار ، بل إنه ألغى تشديداتهم وأباح محرماتهم من تلقاء أنفسهم ، كما قال تعالى عنه : وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [ آل عمران : 50 ] من الربانيين والأحبار . وأما قوله تعالى : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ [ المائدة : 47 ] فإن معناه : وليحكموا بما فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة ؛ فإن في الإنجيل : « لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس » وفيه : في الإصحاح الثالث والعشرين من إنجيل متى قول عيسى - عليه السّلام - : « على كرسي موسى جلس الكتبة والفرّيسيون ، فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه ، فاحفظوه وافعلوه ، ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا ؛ لأنهم يقولون ولا يفعلون » . خامسا : ومن أوصافه : أن يكون نبيّا أميّا غير قارئ ولا كاتب ، وهذا معنى قوله : « وأجعل كلامي في فمه » . سادسا : ومن أوصافه : أن الله ينصره على مخالفيه ، وهذا مستفاد من قوله : « ويكون الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي ، أنا أطالبه » أي الله يقول : أنا أنتقم من مخالفيه . سابعا : ومن أوصافه : ألا يقتل ، وأن من يكذب ويدعي النبوة ويزعم أنه هو المراد من هذه النبوءة المذكورة في سفر التثنية ، أو يدعو إلى غير الله - فإنه يقتل ، وهذا مستفاد من قوله : « وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلاما لم أوصه أن يتكلم به ، أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى ، فيموت ذلك النبي » أي : فيكون جزاؤه القتل . ثامنا : وإن قال متبع شريعة موسى : كيف نميز الصادق من الكاذب ؟ أي : إذا ظهر من يقول : إني أنا هو ذلك النبي ، فكيف نعرف أنه صادق ؟ فإنه أعطى علامة للناس ، ليعرفوا الصادق من الكاذب ، وهي أنه إذا ظهر وأخبر عن غيب ، ووقع الغيب كما قال ؛ فإنه يكون صادقا في دعوى النبوة . وهذا مستفاد من قوله : « وإن قلت في قلبك : كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب ؟ » وهذا هو السؤال . والإجابة هي : « فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر ؛ فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب ، بل بطغيان تكلم به النبي ، فلا تخف منه » . تاسعا : ومن أوصافه أن يكون ملكا على بني إسرائيل والعالم ؛ لقوله : « له تسمعون » وفي الزبور : « عوضا عن آبائك ، يكون بنوك ؛ تقيمهم رؤساء على كل الأرض » [ مز : 45 ] والمراد بقوله « بنوك » : أصحابه وأنصاره . وقد ظهر مما تقدم : أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - مكتوب عنه في التوراة في الإصحاح الثامن عشر من سفر التثنية ، مع المقارنة بالنصوص الأخرى الدالة على بركة إسماعيل - عليه السّلام - ومكتوب عنه في الإصحاح الأول من إنجيل يوحنا . وظهر أن التوراة قد وصفت أصحابه بأنهم قديسون طاهرون ، وأنهم لا يعصون رسول الله ولا يستكبرون عن طاعته ؛ ففي الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنية : « وأتى من ربوات القدس ، وعن يمينه نار شريعة لهم ، فأحب الشعب ، جميع قديسيه في يدك ، وهم جالسون عند قدمك ، يتقبلون من أقوالك » [ تث 33 : 2 - 3 ] . ينظر : النبي الأمي في التوراة والإنجيل ص ( 11 - 19 ) .